حكومة العهد الأولى والأخيرة… نواف سلام باقٍ حتى النهاية؟
ما ثبّتته جلسة مجلس النواب الأخيرة، التي عُقدت على نيّة مساءلة الحكومة، أن أحدًا لا يريد إسقاطها، حتى أولئك الذين يملكون أسبابًا للاعتراض عليها. فالحكومة لم تعد مجرّد تركيبة داخلية قابلة للسقوط أو التبديل وفق موازين مجلس النواب، بل أصبحت جزءًا من توازن أوسع، يتصل مباشرة بما يجري في المنطقة وبالحرب الإسرائيلية على المقاومة ومستقبل حزب الله ودوره.
بهذا المعنى، لم تعد قوة الحكومة مستمدّة فقط من الثقة النيابية، بل من الوظيفة السياسية التي تؤديها. وما دام الإقليم لم يستقر على صورته النهائية بعد، وما دامت التسويات الكبرى لم تنضج، فإن بقاء الحكومة يصبح جزءًا من إدارة المرحلة، لا تفصيلًا لبنانيًا منفصلًا عنها.
ولعلّ رئيس الحكومة نواف سلام كان أكثر المستفيدين من المشهد الأخير. فقد تنفّس الصعداء مرتين:
الأولى في ساحة النجمة، حين خرج من جلسة المساءلة بثقة متجددة، بعدما أمّن له رئيس مجلس النواب نبيه بري عمليًا نصف أصوات النواب الشيعة. وهنا يبقى السؤال مفتوحًا حول الغاية الأساسية من جلسة بدأت على قاعدة مساءلة الحكومة وانتهت إلى تجديد شرعيتها: فهل كانت أسباب الدعوة إليها داخلية أو تجاوزتها إلى الأسباب الخارجية؟
الثانية، فكانت في نيويورك، حين جلس سلام إلى الطاولة التي ترأسها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بحضور دول مجلس التعاون الخليجي + مصر، تركيا العراق وسوريا. وبمعزل عما دار داخل الاجتماع، فإن الصورة بحد ذاتها حملت دلالة سياسية: لبنان، بحكومته الحالية، موجود داخل المشهد الإقليمي الذي تعمل واشنطن على ترتيبه تحت إشرافها.
وهكذا، يعود سلام إلى بيروت بوزن إضافي مصدره مكانان: نيويورك وساحة النجمة. أي إنه أمسك بخيط استمراره من طرفيه، الخارجي والداخلي.
لكن هذا الرصيد لن يُصرف، على الأرجح، في تحسين الكهرباء أو استعادة أموال المودعين المنهوبة أو إحداث انقلاب اقتصادي. فهذه الحكومة، منذ تشكيلها، تبدو حكومة سياسية قبل أي شيء آخر.
صحيح أن الإصلاح المالي والاقتصادي حاضر في بيانها الوزاري، لكن المهمة التي تطغى على ما عداها ترتبط بمسار سياسي أكبر: حصر السلاح بيد الدولة، وتقليص نفوذ حزب الله، في السياسية والإدراة، وإعادة تشكيل موازين القوة داخل المؤسسات والإدارة، وصولًا إلى الحد من مصادر القوة السياسية والاجتماعية التي راكمها الحزب على مدى عقود.
ومن هنا يمكن فهم السبب الذي يجعل السياسة تتقدّم على الاقتصاد في معظم خطاب نواف سلام. فالرجل يتحدث عن الدولة والسلاح والسيادة وقرار الحرب والسلم أكثر مما يتحدث عن الودائع والنمو والبطالة والكهرباء أو تفجير المرفأ. وهذه ليست مجرد مفردات، بل مؤشرات إلى طبيعة المهمة التي ترى الحكومة نفسها معنية بها.
وطالما أنها تتقدم في هذه المهمة، فإن غطاءها الخارجي يبدو متينًا، والغطاء الداخلي يصبح نتيجة طبيعية له.
لهذا، قد يكون الخطأ التعامل معها بوصفها حكومة «تقطيع مرحلة»، تنتهي مهمتها عند محطة دستورية محددة. فهي تتصرف، أكثر فأكثر، كحكومة ذات وظيفة سياسية طويلة الأمد، قد لا تنتهي إلا بانتهاء العهد نفسه.
ومن هنا تحديدًا تكتسب العبارة التي سُرّبت عن نواف سلام، خلال ارتفاع منسوب التوتر بينه وبين رئيس الجمهورية، معناها الحقيقي: «جينا سوا ومنفل سوا».
قد لا تكون العبارة مجرد توصيف للعلاقة بين الرجلين، بل اختصارًا لطبيعة المرحلة كلها.
وهذا يقود مباشرة إلى الحديث المتصاعد عن تعديل حكومي محتمل.
لا شك في أن وزراء في الحكومة لم يثبتوا كفاءتهم، وبعضهم تسبب بإحراج سياسي للجهات التي سمّته، وبعض الخيارات الوزارية لم تكن موفقة أصلًا. لكن الاعتقاد بأن أي تعديل محتمل سيجري فقط لتحسين الأداء الإداري للحكومة يبدو تبسيطًا للمشهد.
فإذا حصل التعديل، سيكون السؤال الأهم: هل الغاية تجديد شباب الحكومة كمبرر لبقائها، وكيف يفسر هذا التجديد قبل الانتخابات النيابية؟
هنا تصبح الانتخابات العنصر الأكثر حساسية.
فأي تعديل حكومي قبل أشهر قليلة من موعد الإنتخابات المؤجلة أصلًا، سيفتح الباب تلقائيًا أمام السؤال عن مصير الاستحقاق نفسه. وإذا تأجلت الانتخابات مرة أخرى -بالاستناد إلى ما يدور همساً في الصالونات-، فلن نكون أمام حكومة تستعد للمغادرة، بل أمام حكومة جرى تمديد عمرها السياسي بحكم الأمر الواقع.
والذرائع التي يمكن استخدامها لتبرير التأجيل موجودة أصلًا: التهجير، استمرار الحرب وتداعياتها، الوضع الأمني في الجنوب، الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، وعدم اكتمال التسويات الإقليمية.
وفوق ذلك، لا تظهر حتى الآن مصلحة واضحة لدى القوى الخارجية الداعمة للمسار الحالي، وفي مقدّمها الولايات المتحدة والسعودية، في فتح أزمة حكومية جديدة في لبنان، ثم الدخول في بازار تأليف حكومة أخرى وما يستتبعه ذلك من إعادة تفاوض على الحصص والأسماء والتوازنات.
لماذا تغيير حكومة تؤدي الوظيفة المطلوبة منها؟
ولماذا فتح أبواب النظام السياسي من جديد، فيما المنطقة نفسها لم ينتهِ ترتيبها بعد؟
الأهم أن الانتخابات، إذا أُجريت، قد تنتج توازنات مختلفة. وقد تمنح حزب الله مثلاً أوراقًا سياسية جديدة، أو تعيد توزيع الأحجام داخل مجلس النواب، بما ينعكس لاحقًا على الحكومة وعلى تركيبة الحكم نفسها. ومن الطبيعي أن تكون القوى المستفيدة من التوازن الحالي أقل حماسة للدخول في مغامرة كهذه.
لذلك، قد سيكون أي تعديل حكومي محتمل عبارة عن عملية صيانة سياسية للحكم بشكل عام، يستبدل بموجبه بعض القطع، فيما يبقى الهيكل نفسه.
وهنا تصبح فرضية بقاء الحكومة حتى نهاية العهد أقل غرابة.
عادة، تُقسم الولاية الرئاسية إلى ثلاث مراحل: عامان لتحقيق الإنجازات، وعامان لاستثمارها، والعامان الاخيران لتحضير الرئيس القادم. لكن التجربة الحالية مختلفة قليلًا.
في وضعيتنا الراهنة، حقق العهد الحالي خطوات واضحة على مستوى ملف حصر سلاح حزب الله وتقليص مساحة تأثيره داخل الإدارة وصيغة الحكم. لكنه، وقبل أن يطفئ شمعة عامه الثاني، أخفق حتى الآن في تحقيق جزء كبير مما وعد به على مستويات أخرى: فلا إصلاح اقتصادي شامل تحقق، ولا أموال المودعين عادت، ولا آلية شفافة وثابتة اعتُمدت في مجالات التوظيف، ولا انتخابات نيابية أُجريت، فيما مجلس الوزراء باقٍ ويتمدد دوره السياسي.
ولعلّه باقٍ لأنه واحد من المجالس القليلة، منذ ما بعد اتفاق الطائف، التي تعكس بهذا الوضوح ثقل رئيس الجمهورية داخل المعادلة التنفيذية، حتى يبدو المشهد، في بعض جوانبه، وكأننا أمام استعادة لشيء من ملامح ما قبل الطائف.
في وضع كهذا، هل من المنطقي أن يذهب داعمو الحكومة، لاحقاً، إلى إستبدالها فيما العهد لا يزال في خضمّ معركة «استعادة السيادة» والمنطقة لم ينتهِ ترتيبها؟
"ليبانون ديبايت" - عبدالله قمح
- شارك الخبر:
